تقرير بحث البروجردي للسيد الخميني

35

لمحات الأصول

المطلوب ، بل الكمال يحصل بتسليمه لأمر المولى ، وإتيان ما في قدرته من أسباب الذبح ؛ من تلّه للجبين ، ووضع المدية على الحلقوم ، والإمرار بشدّة لإرادة الذبح فلم يبق من أسبابه الاختياريّة شيء إلاّ أتى به ، فوقع منه ما في قدرته ، وما لم يقع لم يكن تحت قدرته . فإذا سلّم لهذا الأمر العظيم الذي تصغر دونه المُعْظمات ، حصل له الكمال التامّ المتوقّع الذي لا يحصل إلاّ بالمقدّمات . فإرادة حصول هذه الغاية العظمى ، صارت سبباً لإرادة المقدّمات على نحو اعتقد الخليل ( عليه السلام ) مطلوبيّة ذي المقدّمة منه ؛ فإنّ الغاية لم تكن مترتّبة على المقدّمات إلاّ بهذا النحو ، وحصولها به لم يكن ممكناً إلاّ بالأمر بالذبح ، فالأمر به مسبّب عن هذه الإرادة ، فلم يكن غيرَ الإرادة شيء نسمّيه " الطلب " ( 7 ) .

--> 7 - وبالجملة : ما هو فعل اختياري للآمر هو الأمر الصادر منه ، وهو مسبوق بالمبادئ الاختيارية ، سواء فيه بين الأوامر الامتحانية وغيرها ، وإنّما الفارق بينهما بالدواعي والغايات . فالداعي للأوامر غير الامتحانية - وما يكون باعثاً للأمر وغاية له - هي الخاصية المدركة من المتعلّقات ، فالداعي إلى الأمر بإتيان الماء للشرب هو الوصول إلى الخاصّية المدركة . وأمّا الداعي إلى الأوامر الامتحانية والإعذارية هو امتحان العبد واختباره ، أو إعذار نفسه . ( الطلب والإرادة : 24 ) . هذا كلّه في الأوامر الصادرة من الموالي العرفية . وأمّا الأوامر والنواهي الإلهية - ممّا أوحى الله إلى أنبيائه - فهي ليست كالأوامر الصادرة منّا في كيفية الصدور ، ولا في المعلّلية بالأغراض والدواعي ؛ لأنّ الغايات والأغراض والدواعي كلّها مؤثّرات في الفاعل ، ويصير هو تحت تأثيرها ، وهو غير معقول في المبادئ العالية الروحانية فضلاً عن مبدأ المبادئ جلّت عظمته ؛ لاستلزامه للقوّة التي حاملها الهيولى ، وتركّب الذات من الهيولى والصورة والقوّة والفعل والنقص والكمال ، وهو عين الإمكان والافتقار ، تعالى عنه . فما هو المعروف بينهم : " إنّه - تعالى - يفعل للنفع العائد إلى العباد " ، مشترك في الفساد والامتناع مع فعله للنفع العائد إليه . ولا يلزم ممّا ذكرنا أن يكون فعله لا لغرض وغاية ، فيكون عبثاً ؛ لأنّ الغاية في فعله - وهو النظام الأتمّ التابع للنظام الربّاني - هو ذاته تعالى ، والفاعل والغاية فيه تعالى واحد ، لا يمكن اختلافهما ، لا بمعنى كونه تعالى تحت تأثير ذاته في فعله ؛ فإنّه - أيضاً - مستحيل بوجوه ، بل بمعنى أنّ حبّ ذاته مستلزم لحبّ آثاره استجراراً وتبعاً ، لا استقلالاً واستبداداً . فعلمه بذاته علم بما عداه في مرتبة ذاته ، وعلّة لعلمه بما عداه في مرآة التفصيل ، وحبّه بذاته كذلك ، وإرادته المتعلّقة بالأشياء على وجه منزّه عن وصمة التغيّر والتصرّم لأجل محبوبية ذاته وكونها مرضية ، لا محبوبية الأشياء ، وكونها مرضية استقلالاً . وإلى ذلك أشار الحديث القدسي المعروف : " كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق لكي اُعرف " فحبّ ظهور الذات ومعروفيتها ، حبّ الذات لا الأشياء . وليعلم : أنّ إيحاء الوحي وإنزال الكتب وإرسال الرسل ، جزء من النظام الأتمّ الكياني التابع للنظام الأجمل الربّاني ، وكيفية تعلّق الإرادة بها ككيفية تعلّقها بالنظام الكياني ، بنحو التبعية والاستجرار للنظام الربّاني ؛ أي حضرة الأسماء والصفات ، وهي الكنز المخفي المحبوب بالذات ، والمحبّ والمحبوب والحبّ عين الذات . فتحصّل ممّا ذكرنا : وهن تمسّك الأشعري لإثبات مطلوبه بالأوامر الامتحانية ؛ فإنّه - مع ما عرفت بطلانه - لو فرض كلام نفسيّ ، وطلب نفسي لنا فيها لا يمكن تصوّره في ذات القيّوم الواجب جلّ وعلا ، وهل هذا إلاّ قياس الحقّ بالخلق والتراب وربّ الأرباب ولعلّ النملة ترى أنّ لله زبانيتين . ( الطلب والإرادة : 26 - 27 ) .